منشورات واصدارات

وليد الهودلي في (ستائر العتمة)*
تسعون يوماً في الزنازين الصهيونية

مراد السوداني

أوراق ساخنة وتدور في اشتعالاتها .. تلك كانت الكلمات التي بعث بها وليد الهودلي من سجن هداريم وهو يقضي فترة محكوميته، ثلاثة عشر عاماً في باستيلات الاحتلال الصهيوني .. بالكاد تستطيع أن تفكّ رموز ما حبّرته يد الهودلي في عتمام الزنازين ..

حينها عكفنا في "بيت الشعر" على تقليب أوراق الهودلي المحمولة على أنّات المرضى وآلامهم في غيابات السجون الاحتلالية .. وفي العام 2001 يصدر (مدفن الأحياء - شهادات من المعتقل) .. وينال مساحة من الاهتمام لكشفه زوايا معتمة في تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية ..

ويخرج الهودلي من السجن ونلتقي ليدفع لنا بـ (ستائر العتمة - تسعون يوماً من المواجهة الملتهبة في زنازين بني صهيون) .. حيث يسرد الكتاب التجربة الاعتقالية الشخصية للمحرّر وليد الهودلي .. منذ إلقاء القبض عليه ومجموعته بعد تنفيذ عملية فدائية ضدّ مستوطنين .. يتابع الهودلي خيط الحكاية ويستمرّ في رواية التفاصيل وفضح الأساليب الصهيونية التي تسعى إلى تنخيل الذات المقاومة ودفعها نحو الإحباط واليأس والركونية ..

حديثاً يصدر (ستائر العتمة) عن المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، ليكون الكتاب الأول في (سلسلة المعتقلات والسجون) .. في سياق سعي "المؤسسة" لتأريخ تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية وجمع الرواية الفلسطينية مقابل رواية (النقيض) .. إنّ (ستائر العتمة) بما يحمله من غنى التفاصيل والذهاب في المواجهة إلى أقاصي التحدّي، وجهاً لوجه مع السجّان الصهيوني يقدّم صورة حيّة عمّا يتعرّض له المعتقلون الفلسطينيون من تصانيف التعذيب الجسدي والمعنوي .. وفي تصديره للكتاب يوضّح الهودلي بأنّ هذه الرواية كُتبت في وقتٍ غيّر فيه الكيان الصهيوني أساليبه في التحقيق من العنف الجسدي والنفسي إلى العنف النفسي، إلاّ في حالات خاصّة، تستدعي استصدار إذن خاص بها لممارسة التعذيب الجسدي معها، كما يؤكّد الهودلي أنّ القرار السابق قد دُرس جيّداً وروعيت فيه مصلحتهم من عدّة نواح .. وبالتالي فهو قابل للتغيير أو العودة للأسلوب القديم إذا دعتهم مصلحتهم لذلك .. حوارية الهودلي مع ذاته وأبناء مجموعته، تساؤلاته وهواجسه .. لحظة انتظار جولات التحقيق، "عصافير" السجن وأدوات الاحتلال في نزع الاعترافات من المعتقلين .. كلّ ذلك نشمّه ونلمسه في ثنايا الكتاب ..

وحول ظروف كتابة (ستائر العتمة) أوضح الكاتب وليد الهودلي :

"كانت بداية الفكرة مع انتفاضة الأقصى وبعد بروز ظاهرة تكرار نفس الأخطاء عند أغلب المعتقلين الجُدد في سجن عسقلان - وتزامن ذلك مع قرار محكمة "العدل" بمنع أساليب العنف في التحقيق إلا مع حالات خاصة وبعد استصدار إذن من المحكمة بهذا الخصوص ..

وبدأ العمل من خلال مجموعة ساهمت في جمع أكبر قدر ممكن من القصص الاعتقالية والتي تحوي كمّاً هائلاً من التجارب المتنوّعة في هذا المضمار .. وعقدنا لقاءات كثيرة مع معتقلين جُدد رصدنا من خلالها أساليب هذه المواجهة في محاولة لمتابعة آخر ما وصلت إليه ..

وتابع : بعد عدّة شهور من الرّصد والمتابعة حملت على عاتقي الصياغة الأدبية بتكثيف هذه التجارب في تجربة شاملة تحاول تقديمها بما هو مختصر ومفيد .. ثمّ بعد أن تمّت الكتابة قامت لجنة لدراسة المضمون وقدّمت ملاحظاتها وتوجيهاتها .. كانت هذه اللّجنة من ذوي الاختصاص والخبرة في هذا المجال .. أجريت التعديل المطلوب ثم قمنا بقراءتها قراءة أخيرة وبعد ذلك تمّ تهريبها إلى الخارج ولحسن الحظّ كانت هناك نسخة إضافية لمصادرة إحدى النسخ في أحد حملات التفتيش الاحتلالية . باختصار كانت الأجواء مشحونة باستياء عام من قِبَل المعتقلين القُدامى على الفخّ القديم والمتجدّد الذي وقع فيه أكثر مَنْ وصل سجن عسقلان ومرَّ بالتجربة .. كان هذا دافعاً قويّاً للتفكير والعمل على إخراج هذا العمل لعلّ وعسى أن يُسهم في ثقافة عملية لرأب هذا الصّدع وسدّ هذه الثغرة .

في (176) صفحة من القطع المتوسّط باح الهودلي بمكنوناته وتقلّباته الروحية في مواجهة ساخنة مع طواقم التحقيق الصهيونية، حيث توزّع الكتاب بين خمسة أبواب : (تقلّبات زنزانة، مقالب التحقيق، الزنزانة مرّة أخرى، صفقة مغرية وفي رحى السجن)، حيث أهدى الكتاب لنضال زلوم وإبراهيم نواهضة وللأخوة السجناء في سجن عسقلان وهدريم الذين ساهموا ليرى هذا الكتاب النور .


* صدر عن المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي بدعم من اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم .