منشورات واصدارات

"سأكون بين اللوز"
حسين البرغوثي : كتابي نفسي

مراد السوداني

في سيرته "سأكون بين اللوز" يعيد حسين البرغوثي، الحاضر طبعاً، إنتاج بداياته، البداية حيث "الجمال الذي تمَّت خيانته" على حدِّ تعبيره، جبال قريته المكاتفة لبيرزيت، مرابع صباه ومدرج يفاعته. يلتقي حسين بجذوره، أصله ويقيم حواراً مشتعلاً وعالياً مع المكان المشمول بطاقته .. والمفتوح على برِّيته التي تسيل ذاكرة وحنيناً وشجىً .. المكان المطرّز بإيحاءاته والمجروح بناي الأسئلة. الدير الجوّاني مضاءً بخط العابرين وطرّاق الليل .. محروساً بنجوم الكلام المنعوفة على العتبات التي بزغ العشب من شقوقها، الأسماء التي ما زالت تمارس لعبة الحضور – الغياب ، شبابة قدورة التي ظلت تزغرد كأفعى زعراء ، وترنُّ بأجراسها الجارحة الذابحة ، وكايد وسعّوطة والأم وبترا (السائحة في مدينة اسمها)، والصغير آثر .. متتالية من الأسماء التي تتجول خلل السيرة وتروي وتتأمل وتتذكر وتجهش باللغة والذكريات.
في هذه الرواية تقترف مايا إثم التأمل ولذاذات الدخول إلى الذات وملامسة زنبقة الأعماق .. بلغة ساردة سلسلة وشفافة تكشف مايا عن مكنوناتها وهواجسها ببوح لاذع واستطرادات تفضح ظلمات الروح المتراكبة .. ثمة التفاصيل والبسيط في علاقة الكاتبة بمن وما حولها .. علاقتها بالأم والأب، تفاصيل العائلة، الغربة، منفى الوطن والوجع الذي يتسلَّق على الروح والأمكنة. في تداعيات حول الجامعة والطلبة، وتأمل المكان الذي يفيض بطاقاته الاستثنائية وتوتر الروح الذي ينفتح على القاسي والمتوحش، والمغترب والنافر، والمتوجس، والمحزون، والمتمرد، والمنطوي والمنسحب، والمتجنّب، والكئيب، والصامت عن عمق، والمتأمل، والهشّ، والدقيق، وما يجعل "الكون حبَّة سمسمٍ في ساحة القلب الكبير".
إنها جنائن اللوز، الذاكرة القديمة، البدايات ، والبيت الذي قرب الرمل، صياغة الذات والوعي البدئي للوجود
عبر السيرة وخلالها يتقدم الشاعر حسين البرغوثي بحمولته الفلسفية وتجربته الفذة، وإرثه اللغوي والمعرفي لتأثيث رؤاه واجتراح الاستثنائي والمغاير في الكتابة. ألم يجترح نيتشة في نهاياته "هكذا تكلم زرادشت" بعد اشتعال روحه وجنونه الأخضر اللافح، لم يتمكن السرطان بكامل جهوزيته وسواده من منع الفيلسوف الشاب من الإصرار على الحياة وعيشها حتى النفس الأخير .. رغم آلامه وشبحية الموت التي نفذت من كوة غرفته في رام الله، إذ هناك واصل صاحبنا حواراته بالتوتر ذاته .. والجموح ذاته .. وكأن كل شيء على حاله .. وحسين كذلك ..

• ألم يمهله السرطان – العدو حتى يعبر بلد الحكايات ؟
• هل قال حسين البرغوثي كل ما نوى .. ؟
• هل جاءت الثعالب وسرقت أحلامه ؟
• هل تأسى ببدر شاكر السياب ونديم محمد وسعد الله ونوس وآخرين .. فأعطى رغم حلكة الزمن ومرارة اللحظة .. ؟

حسين البرغوني مازالت روحه ترفرف فوق خرائب الدير .. فأخذ من القمر ما جعل نفسه حبلى بأسئلتها عن الذات والعالم .. "سأكون بين اللوز" .. شهادة فذّة في مواجهة الموت وسيرة شاعر وفيلسوف قال كلمته ومضى .. "سأكون بين اللوز" .. الذهاب إلى المستقبل حيث الأعالي مهوى أفئدة النسور.