منشورات واصدارات
مايا أبو الحيات في "حبات السكر"
تربة الأمل الخضراء
صدر حديثاً عن المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي الرواية الأولى للكاتبة الشابة مايا أبو الحيات بعنوان "حبات السكر"، وجاءت الرواية في (100) صفحة من القطع المتوسط وصمم الغلاف الفنان هاني زعرب .
بين سبعة عناوين توزّعت الرواية : تداعيات، أمي وداعاً، الشاعرة والشيخ، المعتقل، على حافة الرؤيا، عامر والفاجعة .. الحياة.
في هذه الرواية تقترف مايا إثم التأمل ولذاذات الدخول إلى الذات وملامسة زنبقة الأعماق .. بلغة ساردة سلسلة وشفافة تكشف مايا عن مكنوناتها وهواجسها ببوح لاذع واستطرادات تفضح ظلمات الروح المتراكبة .. ثمة التفاصيل والبسيط في علاقة الكاتبة بمن وما حولها .. علاقتها بالأم والأب، تفاصيل العائلة، الغربة، منفى الوطن والوجع الذي يتسلَّق على الروح والأمكنة. في تداعيات حول الجامعة والطلبة، وتأمل المكان الذي يفيض بطاقاته الاستثنائية وتوتر الروح الذي ينفتح على القاسي والمتوحش، والمغترب والنافر، والمتوجس، والمحزون، والمتمرد، والمنطوي والمنسحب، والمتجنّب، والكئيب، والصامت عن عمق، والمتأمل، والهشّ، والدقيق، وما يجعل "الكون حبَّة سمسمٍ في ساحة القلب الكبير".

كل ذلك وسواه نلمسه ونتقراه في ثنايا الروايا التي اجترحتها المبدعة الشابة مايا أبو الحيّات باقتدار وخصوصوية مازالت تسعى لاكتشافها وتصُّر في البحث عنها وتصليبها ليبقى قلق الروح وألقها على أشده.
والمكان كتصميم سواء نابلس بذاكرتها الحيّة والمتدفقة، أو الجامعة بكامل اكتظاظها واندفاعاتها وتجهيزاتها اليافعة، أو السجن، حيث اقتيدت اليافعة المستوحشة مايا إلى سجن مجدو ولتلاقي هناك شتى أفانين الإهانات من النقيض الذي يسطو على كل شيء هنا في فلسطين المنهوبة.
تخصص إحدى فصول الرواية لهذه اللحظات الصعبة التي وجدت مايا نفسها فيها وجهاً لوجه مع هذا النقيض العدو والسجان الذي لم يرحم رقّة اليمام وبراءة الشتول ونبضات الضوء في صحن الوجه .. وفي أتون المواجهة تحدّق مايا في أعماقها وتصرُّ على المقاومة والمواجهة بجرأة افتقدتها زمناً وعزيمة وهنت في أيام سلفت .. الآن هي على المحك لمواجهة مصيرها وعليها وحدها أن تقرر كيف ستكون لحظة اللقاء الذي لم تتوقع مع عدو وقعت بين مخالبه لا شيء إلاّ لكونها ابنة هذا الزمان والمكان وفلسطين الجرح اللاهب.
وتنتصر مايا على الذات والنقيض في أن تكون هي هي وابنة نسقها الحقيقي النابض بالحياة والمقاومة وشرط الحياة الكريم وبذلك تتقدم خطوة تجاه غدها الذي تحنُّ إليه.
كذلك للحواجز مساحة أخرى في الرواية وما يمارسه النقيض من طرائق الإذلال والمهانة وأثر ذلك على نفسية الكاتبة والأنا الجمعية .. هذه التفاصيل واليومي والبسيط في التجربة خضع للتأمل والقراءة والاستشراف للعبور إلى ما هو أخضر ومخضلّ ويانع.
"حبّات السكر" .. بداية الغيث، تبشّر بخير وتفتح القلب على جهات الأمل إلى الأمام يا موجة نحو البحر الكتابي.