منشورات واصدارات
مقفى بالرماة
محمد لافي
حافة الكلام - زهير أبو شايب
ثمَّة قارئ متخيَّل يحضر دائماً عند كل كتابة ويتدخَّل فيها. هكذا يخوض الشاعر، خلال الكتابة، حرباً سرّية ضدّ قارئه المتخيَّل لكي يتحرر منه. إنَّ مأساة الشاعر تكمن في أنه يعجز عن أن يطأ أرض قصيدته إلاّ من خلال تلك الحرب التي تجعل (القارئ المتخيَّل) شريكه الحتمي في الكتابة. ولعلّ هذا ما يجعل الشاعر أحياناً يحسُّ بالغربة عن قصيدته، فهي لا تحمل ملامحه وحده، بل تحمل،أيضاً، ملامح ذلك المؤلف السرِّي الذي يسعى دائماً لعبادة المتلقي، والامتثال لتعاليمه المقدَّسة.
وفي قصيدة الخطاب تصبح الكتابة أكثر خطورة، فالقارئ المتخيَّل هنا لا يكتفي بالتدخل، بل يقمع الشاعر أحياناً ويدفعه للتنازل له عن مهمة التأليف، ولذا فإنّ على الشاعر، لكي ينتج قصيدة خطاب متميزة، أن يناضل ضدّ (قارئه) أكثر من أيّ شاعر آخر.
لقد أصيبت قصيدة الخطاب العربية بانحطاط مريع في السنوات الأخيرة، بسبب ذلك الارتهان لحضرة المتلقّي، لكنّنا هنا في (مقفّى بالرماة) أمام قصيدة خطاب أخرى نجحت في إنقاذ نفسها من النمطيّة والشعارية والمنبرية التي طغت على الشعر ونشّفته.

في (مقفّى بالرماة)، ثمة قصيدة أقل اشتعالاً لكنها أكثر حرقة؛ قصيدة هرمة تخرج إلى الشارع، كما تفعل قصائد الخطاب عادةً، لكن لا لتمجّده، بل لتعلن خروجها عليه، فالشارع لم يعد مدداً للإلهام والحلم، بل أصبح مسرحاً للخراب الجليل والفجيعة التي تدفع الروح إلى أقصى انطفائها ورمادها.
وفيما يحاول الشاعر أن يتلمَّس الهزيمة اليومية المألوفة، يرتُّد إلى الذاكرة حيث يرى وكأنَّه يتذَّكر. إنّ الحاضر هنا يتحرك كأنه ماض منتهٍ لا بصفته حاضراً ملموساً. هذا الارتداد يشير، بوضوح، إلى الرغبة في تجاوز اللحظة الراهنة لا بالتقدم إلى لحظةٍ آتية أفضل، بل بردِّ الراهن كلِّه المهزوم، عن مجال الرؤية مما يتسق مع الإحساس برمادية الأشياء وانطفائها، فالرمادي عادةً هو المفقود الذي نحاول استعادته، خارج زمنيّته، بالتذكر :
"يكتب الواجهات
النساءً، البيوتَ، وناسَ المدينة
يكتبُ كلَّ المدينةِ".
إن مملكة الشاعر هي تلك التي تقع في الهامش : خارج الوقت، وخارج المكان، وخارج المكرِّس؛ خارج كلِّ المتون.
إنها، بعبارة أخرى، منفى الشاعر الذي يقيم فيه مع مفقوداته بعيداً عن رماد الراهن اليومي المهزوم.
ولنلاحظ أنّ (كلَّ المدينة) الذي يكتبه الشاعر ليجعله ملكاً لحضرته، هو متن مفقود في الحقيقة. إنه يكتب المتن ويحوِّله. يصبح هو المتن وتصبح المدينة كتابته/ هامشه/، بعد أن كان هامشها. هكذا يمتلكها. أما في هامش المدينة فإنَّ الشاعر نفسه يتحوَّل إلى كتابة ويتحوَّل الهامش كاتباً :
"الآن يكتبك الرصيفُ .."
هكذا يغيب المتن (كلُّ المدينة) ليصبح كلاماً ويحضر الهامش (الرصيف) ليصبح ذاتاً تكتب كأنما لتمتلك المتن الذي يهمّشها وينفيها وتسيطر عليه في محاولة للتعويض عن ما تتعرَّض له من تهميش.
•
يلفت الانتباه، للوهلة الأولى، قصر قصائد المجموعة؛ احتضانها للعبارة الدارجة، ولعبها بالأصوات وقوافيها المسكنة، هذه الملامح الأسلوبية كان يمكن أن تكون نسخاً للأسلوبيات السائدة الآن في الكتابة الشعرية لو لم تكن مسوغة على المستوى الدلالي.
إن قصر القصيدة هو تعبير عن رغبتها في الصمت، فالشعر، كما يقول لافي (قليل الكلام)، وحين تنضغط القصيدة تتحوَّل إلى ما يشبه الدويّ الذي لا يثرثر، ولعلَّ هذا يفسر اهتمام الشاعر بالأصوات والإيقاعات، إذ أنّ كلَّ شيء قادر على أن يتحدَّث، في القصيدة، بمثل ذلك الدويّ، لا ليزيد مساحة الكلام، بل ليحيل اللغة والأشياء إلى أصوات. إنّ هذا، بالضبط، هو ما يفعله الشارع الذي يخلط كل شيء فيه ليصنع عجينته الصوتية الهائلة.
هكذا تقف قصيدة لافي على حافة الكلام، محاولة أن تلتقط العالم من خلال حاسة السمع؛ تلك الحاسة الأكثر ارتباطاً من غيرها بهاجس الحرية، ومن الملفت أن لافي قد رصد بدايته الشعرية في إحدى القصائد :
"كنت أُرِّقصُ مفتاحَ المُحَدثِ في آخرِ الليلِ،
وأشتعلُ.
حركاتُ المُحدثِ تنقلُ.
فَعِلُن فَعْلُن فَعِلُن فَعِلُ".
إنّ الترقيص هنا فعل إيقاعيّ، وكأنَّ الإيقاع هو نواة القصيدة التي تدفع الشاعر إلى حافة الكلام خارج أحاسيسه الصامتة، حيث الثرثرة من جهة والصمت من جهة أخرى، ولنلاحظ أنّ الزمن الذي اختاره الشاعر هنا للكتابة هو، أيضاً، حافة زمنية، فآخرة الليل طرفه الفاصل بين النهار الآتي والليل الآفل.
إنّ الشاعر معلَّق دائماً على الحوافّ؛ من هنا هامشيته وقلقه وخارجيّته، ومن هنا قدرته على الاستشراف والرؤية ولقط المعنى، وهو يعلم أنه حين يتخلّى عن حافته ويطأ الأرض ويطمئن، فإنّه سيتحوَّل هو وقصيدته إلى تراب.
تقول إحدى قصائد المجموعة :
"وأخيراً يصلُ الشعرُ إلى الشارعِ،
والشارعُ للمقهى،
صعدنا درج المنفى،
وألقينا التحيات على مَنْ مرَّ سهواً في الجنازاتِ
وعاتبنا البلادْ
وتجادلنا طويلاً ... إلى أقصى الرمادْ
منذ فاتحتكَ بالخطو ... إلى أقصى الرمادْ".
تبدأ القصيدة بواو الاستئناف، وكأنها تتمة لنص مضمر، ثم يأتي استخدام (أخيراً) في أول الكلام ليعزِّز الإحساس بأنّ نصّ القصيدة نهاية فعلاً لنصٍّ غير مكتوب، وبأنه يقف، كما أسلفت، على حافة الكلام.
وهنا، ثمة رحلتان متوازيتان : رحلة الكلام – الشعر، ورحلة الذات، حيث ينتهي الشعر إلى الشارع ثم إلى المقهى، وتنتهي الذات إلى أقصى الرماد.
(يصل الشعر) ذلك يعني أنه كان غائباً عن الشارع، ولكن وصوله لم يكن للإقامة فيه، فالشارع نفسه سينتقل إلى المقهى. هكذا ، إذن، يصل الشعر إلى اليومي كأنما يعود من منفى ويمرُّ منه إلى الهامش دون أن يتوقف.
هنا ينقطع خطّ السرد، وتتحوَّل الجملة الفعلية من الإخبار عن رحلة الشعر إلى الإخبار عن رحلة الذات الموجودة هنا بصيغة الجمع، ويتحوَّل الفعل من صيغة المضارع إلى صيغة الماضي كأن ثمَّة ارتداداً إلى الذات بصفتها ذاكرة تختزن الماضي.
تتشكَّل رحلة الذاتِ الجمعيةِ من خلال أربعة أفعال ماضية :
صعدنا، وألقينا، وعاتبنا، وتجادلنا، إنّها، إذن، رحلة إلى الماضي فعلاً.
يوهم الفعل (صعدنا) للوهلة الأولى بالتقدم الإيجابي إلى أعلى، إذ صحيح أنّ الذات تتحرَّك على أرض مرهقة وغريبة (درج المنفى)، لكنها تبدو متجهة إلى الأعلى نحو وطنٍ عالٍ يوجد عند حافة درج المنفى. كذلك يُوهِمُ الفعل (ألقينا) بحيوية المنفى، فعلى الرغم من الجنازات التي تعبر الشارع كالمارة، ثمة حياة تكفي لإلقاء التحية وتجاوز الموت اليومي. أمّا الفعل (عاتبنا) فيوهم ،أيضاً، بحميمية العلاقة بين الذات المنفية والبلاد ... إنّ البلاد هنا يمكن أن تكون الوطن ويمكن أن تكون المنفى؛ كلاهما ينفي الذات ويحتضنها في آنٍ. إنّ العتاب ،أيضاً، حافة عاطفية، لهذا تعاتب الذات البلاد كي تحافظ عليها وتتخلص منها معاً، وأخيراً يوهم الفعل (تجادلنا) بفاعلية الذات في علاقاتها الداخلية وقدرتها على أن ترى نفسها وتجادلها.
لكنّ كلَّ ذلك الإيهام ينكشف حين يتضح لنا، في ختام القصيدة، أنّ رحلة الذات وأفعالها الماضية لم تؤدّ إلى الخروج من المنفى، بل أدّت إلى (أقصى الرماد).
كان على القراءة فعلاً أن تنتبه إلى أنّ درج المنفى يؤدِّي إلى المنفى الكامل لا إلى خارجه، وأنّ معايشة الجنازات والموت اليومي ليس انتصاراً على الموت، بل مواتٌ يجعل الموت أليفاً، وأنّ اختلاط الوطن بالمنفى لا يجعل الوطن حميمياً، بل يجعل المنفى وطناً، وأن الجدل الطويل ليس فاعلية إيجابية أبداً.
هكذا تبدو رحلة الشعر نحو المقهى – الهامش معاكسةً لرحلة الذات. الرحلة الأولى كأنها حقيقية ودائمة وحاضرة وعيانيّة، أمّا الثانية فهي رحلة وهمٍ وشُواش. إنَّ الشعر إذن هو الحقيقي ولذا فإنَّه يصل ويذهب إلى المقهى بصفته ذاتاً أمّا الذات فإنها تنتهي إلى رماد بارد مطفأ بعد احتراقها الطويل.
ثمة فعل ماض واحد قامت به الذات بمفردها هو (فاتحتك)، والمفاتحة فعل لغوي لا جسدي، في حين أن (الخطو) جسدي. وكأن الذات لا تفعل إلاّ على صعيد لغوي حين تكون مفردةً، وفعلها الوحيد هو المفاتحة التي تجعل المخاطب في (فاتحتك) في موقع الذات القائدة والهادية، وتجعل الذات تابعاً لها.
إنَّ هذه القصيدة تمثيل حقيقي لروح المجموعة وأسلوبيتها. ومع ذلك فإنَّ لكلِّ قصيدةٍ تميَّزها وامتلاءها الخاص.
