منشورات واصدارات

  • محمد حلمي الريشة في مجموعته الشعرية الجديدة "هاوياتٌ مُخصَّبة"

شَرَرُ المَرأةِ الشَّمعِي والرِّضَى بالنَّومِ العَاثر

مراد السوداني*

(1)

بعد مجموعته الشعرية "خلف قميص نافر" (1999)، يطلُّ علينا الشاعر محمد حلمي الريشة بِـ"هاويات مُخصَّبة" (2003) .. حيث الغوص فيما وراء وبَعديات (نفور القميص) .. والذهاب في أعماق الأبعاد يستدعي الاتكاء على أدوات أكثر رهافةً ورشاقةً لتحطيم صخرة اللغة للعثور على ما هو جوهري .. إنه الهروب من سطوح الأشياء نحو الأعماق إِذن، حيث التأمُّل مفتاح الخطوة ودليلها .. التأمُّل مشمولاً بالاستماع وطاقة الصمت الفعّال .. وجه الكلام الآخر .. "السطح يثرثر أمّا العمق فيستمع" (جوزيف أتيلا) .

العنوان كعتبةٍ ينفتح على تناقض وتنافر ينهض بالروح ليكتمل اشتعالها .. فالهاويات : (سقوط ما، تردٍّ، انحدار) .. كلُّ ذلك مركّب على عامل التّخصيب، دعني أُسميِّه محورَ الإيجاب قُبالة محور السّلب (الهاويات) .. عبر الجدّل الفاعل بين الهابط والصاعد في التجربة تكتمل دورة العشق والتي هي جوهر المجموعة .

(2)

في "لذَّة النصّ" يحاول رولان بارت الكشف عن المنطق اللّذاذي وتقطّرات الجسد بكامل لثغاته وتأتأته .. حيث الإبحار في أعاليه وأسافله .. مدارجه ومنحنياته .. أقواسه وتكوّراته .. دوائره الحادّة والحارّة كذلك .. في محاولة للإمساك بذوب الشهوة وانثيالاتها .. ربما يشكلّ "لذّة النص" مفتتحاً لِـ(نصّ اللذّة) في كثير من الكتابات اللّذاذية واستكناه الفتنة الناهبة .. والنّص الذي اجترحه الشاعر محمد حلمي الريشة ليس بآخر هذه النصوص التي أوقفتها اللّذة في شركها المخاتل اللذيذ .
(3)

في استقصاءٍ وتتبُّعٍ لمدرج نصوص المجموعة نقرأ : "شمع فراشات .. في مساءاتها المنمنمة"، "قبلي بكثير .. بعده عن بعد"، "إجاص الأقاصي"، "سيميثا" : حنين كاسد على أريكة"، "منازل الجرح الفاتن"، "لستُ في أي مكان .. أيتها الوردة"، "كنوم جاف بمنامات رطبة"، "مثل السماء الصفر"، "ثمّة قفصٌ .. لا يصلح لزراعة العزلة"، "حمّى ليلة حبر"، "فاكهة النوم"، "ظلٌ في عتمة .. بياضٌ في حرير"، "وجدتها وجدتني : إنها أنا .. إنني هي"، "لم تمسسني أنوثة قبلها .. سواها"، عسل مؤجل في صهيل الورد".

شريط يفكِّك سبحة الشاعر بكلِّ خرزها الملوَّن وبريقها الناهب .. ثمّة إيقاع غويِّ مهجوس بعناوين النصوص المحترقة لوعة واحتراقاً حدَّ الجفاف الرطب .. إنه السعي لقطف "فاكهة النوم" رغم المنامات الرطبة .. ومحاولة استزراع العزلة حيث الأقفاص أصص الوردة و"منازل جرحها الفاتن"، نحو بياض الحرير يعبر رغم ظلّ العتمة لتقطير العسل المؤجل المتذرذر من صهيل الورد، فهو يحاول "فتح ثنايا الوردة على برعمها الحارّ".

الشاعر في مجموعته يفتح بالصور الشعرية المتداخلة والمركبّة والمعقَّدة أحياناً ملكوت العشق وكأنّه واحد من شُرَّاحه وعابري دهاليزه الخفيّة، أراه كشّاف الفتنة والموغل في تفاصيل "الحنين الكاسد على أريكة" في "السماء الصّفر" . معبّأ بالوحدة والانفراد وعدّة الشعر .. التحديق في جوهر الأنثى ليرى ذاته فيصرخ : "وجدتها .. وجدتني : إنَّها أنا .. إِنني هي" . هل هي رحلة بحثه إِذاً عنه وعنها ؟ وهما الواحد المنشطر إلى وجعين، سَفر الجسد للجسد طريقه المؤثثّة بالنعاس اليابس وجفوة السهاد .. يُدوزن أوتار روحه المتقلبة على لظى انتظارات ولحظات مؤجَّلة، تعلو وتهبط أشعة قلبه على سرير الأنثى بتفاصيلها واستحضاراتها وجموحها الرّغائبي .. نقرأ لغةً تفيض بما هو مخبوء ومسكوت عنه فينزُّ "الجرحُ الفاتن" وتنكشف جماليات الأنثى البياض الحريري اللاذع .

يستنفر الشاعر طاقاته الشعرية وجمّاع اشتعاله الشعوري ليصير بلغة مظفر النوّاب "تحت النهدين إِناءُ" و"كفحل حمامٍ في جبلٍ مهجور" .. وبلغة محمود درويش : "حين تصيرُ الروحُ قُبيلَ العشق بثانية فوضى" . يستدرج الشاعر النوم فيتأبَّى .. يمارس رياضة طرد الهواجس والتذكارات مستعيناً بلفائف الدخان وحنّاء القهوة فيتمنَّع النوم ولا تأتي المنامات بزوّارها .. ويقع في جنون اليقظة ويعصف به الصحو .. قصيدتان أفردتا لتفكيك النوم الشاعر في مجموعته الشعرية : "كنوم جافّ بمنامات رطبة" و"فاكهة النوم" .. إِنّه النوم إذاً يهيج غزلانه ونفورها الجبلي .. يحاول نوماً لا يحاوله .. ويعترف : "النوم سلطان إلاّ عليّ" .. ويتساءل : "من يستطيع تفكيك النوم؛ سِنةً .. سِنهً، إِغفاءةً .. إِغفاءةً، حُلماً .. حُلماً .. كي أعرف انتهاك أسراره؟" .. إِنها التفجّع واكتمال مؤامرة النوم ضد الشاعر .. معركةٌ جهاريةٌ تماماً .. فضّاحةٌ وجارحةٌ .. كرٌّ وفرٌّ، مراوغةٌ، محاولةٌ، استدراجٌ، تمويهٌ، اشتباكٌ شعوريٌّ مسلّحٌ .. ويتأتى السؤال جارحاً : "لماذا ينام النَّوم .. دوني ؟".

تطير من "وكر الحواس" وردة الحلم المخدّرة بـ"القمر الباهت وقنديل غرفة الشاعر الضئيل ومواء قطّ في شهوته" . يقول : "أُطفئ كلّ شيء حولي" .. هل إطفاء كلّ شيء محاولة من الشاعر لإطفاء الجسد وإراحته بالنوم ؟! ربّما، وبلغة النوّاب : "فأجبتُ كنار مطفأة في السهل، أنا يا وطني" .. فالنوم هو ذلك البخيل المخاتل .. "صديق الخيبة الجميل"، وفي النهاية ثمة ما يؤرق الشاعر فتسري كهرباء اللغة لتشعل بشمعة الروح وذوبها "كتاب النشوات" ويصبح النصّ نوماً آخر، مفعّل اليقظة وحارسها النّابه .. يقول : "حتى أنتَ أيها النصّ الذي يتماثل للشقاء الآن تراودني عن نومي!" .. النص سبب شقاء الشاعر، رافعة حزنه .

وتفشل محاولات الشاعر في النوم، فمن سينيمه ومن ذا الذي يفوز بذلك :"أحبها .. أحبها .. تلك المرأة التي تهبني النوم جائزة تعبي عليها !".

إنها المرأة وأية امرأة .. إنها التي يحبُّ، يمنحها عطاياه الشعورية وشرره الشمعي .. برضى تام يفيض بنومه العاثر.

(4)

في سياق تجربة قصيدة النثر، تمثّل مجموعة الشاعر محمد حلمي الريشة علامة فارقة والتماعة نقطة الضوء في غبش (النّثراء) .. على محور الصورة الشعرية المدروزة بإبرة العقل وذكاء القلب قام انبناء نصوص المجموعة موغلة في اللغة حدّ الأقاصي واشتقاقات الكلام الغاوي والمغوي ومفردات الابتكار وشهوة الخلق الكتابي .. مجموعة شعرية تستحق الإشادة رغم عمى الألوان الإبداعي لدى الكثيرين .. لذا ستكون لنا عودة قراءة ثانية إلى هذه المجموعة في سياقات أُخَر .


* شاعر من فلسطين.
** محمد حلمي الريشة : "هاوياتٌ مُخصَّبة" - نصوص شعرية، دار الماجد للنشر والتوزيع بالتعاون مع المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، رام الله، 2003.